الآلوسي

126

تفسير الآلوسي

على الإطلاق ، وجوز أن يكون للاستغراق الحقيقي والتفضيل باعتبار كثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم لا من كل الوجوه حتى يلزم تفضيلهم على هذه الأمة المحمدية ، وقيل : المراد اخترناهم للإيحاء على الوجه الذي وقع وخصصناهم به دون العالمين ، وليس بشيء ، ومما ذكرنا يعلم أنه ليس في الآية تعلق حرفي جر بمعنى بمتعلق واحد لأن الأول متعلق بمحذوف وقع حالاً والثاني متعلق بالفعل كقوله : ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت * على وآلت حلفة لم تحلل وقيل : لأن كل حرف بمعنى . * ( وَءَاتَيْنَاهُم مِّنَ الاَْيَاتِ مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ ) * . * ( وَءَاتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَات ) * كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغيرها من عظائم الآيات التي لم يعهد مثلها في غيرهم ، وبعضها وأن أوتيها موسى عليه السلام يصدق عليه أنهم أوتوه لأن ما للنبي لأمته * ( مَا فيه بَلاَءٌ مُّبينٌ ) * أي نعمة ظاهرة أو اختبار ظاهر للنظر كيف يعملون ، وفي * ( فيه ) * إشارة إلى أن هناك أموراً أخرى ككونه معجزة . * ( إِنَّ هَاؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ ) * . * ( إنَّ هَؤُلاَء ) * كفار قريش لأن الكلام فيهم ، وذكر قصة فرعون وقومه استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل ما حل بهم ، وفي اسم الإشارة تحقير لهم * ( لَيَقُولُونَ ) * . * ( إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاُْوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ ) * . * ( إن هيَ إلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى ) * أي ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية * ( وَمَا نَحْنُ بمُنْشَرينَ ) * أي بمبعوثين بعدها ، وتوصيفها بالأولى ليس لقصد مقابلة الثانية كما في قولك : حج زيد الحجة الأولى ، ومات . قال الأسنوي في " التمهيد " : الأول : في اللغة ابتداء الشيء ثم قد يكون له ثان وقد لا يكون ، كما تقول : هذا أول ما اكتسبته فقد تكتسب بعده شيئاً وقد لا تكتسب كذا ذكره جماعة منهم الواحدي في تفسيره والزجاج . ومن فروع المسألة ما لو قال : إن كان أول ولد تلدينه ذكراً فأنت طالق تطلق إذا ولدته ، وإن لم تلد غيره بالاتفاق ، قال أبو علي : اتفقوا على أنه ليس من شرط كونه أولاً أن يكون بعده آخر ، وإنما الشرط أن لا يتقدم عليه غيره اه‍ ، ومنه يعلم ما في قول بعضهم : إن الأول يضايف الآخر والثاني ويقتضي وجوده بلا شبهة ، والمثال إن صح فإنما هو فيمن نوى تعدد الحج فاختر مته المنية فلحجة ثان باعتبار العزم من قصور الاطلاع وأنه لا حاجة إلى أن يقال : إنها أولى بالنسبة إلى ما بعدها من حياة الآخرة بل هو في حد ذاته غير مقبول لما قال ابن المنير من أن الأولى إنما يقابلها أخرى تشاركها في أخص معانيها ، فكما لا يصح أو لا يحسن أن يقال : جاءني رجل وامرأة أخرى لا يقال الموتة الأولى بالنسبة لحياة الآخرة ، وقيل : إنه قيل لهم أنكم تموتون موتة تتعقبها حياة كما تقدمتكم موتة قد تعقبتها حياة ، وذلك قوله عز وجل * ( وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) * ( البقرة : 28 ) فقالوا : * ( إن هي إلا موتتنا الأولى ) * يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تتعقبها حياة ، إلا الموتة الأولى دون الثانية وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقب الحياة لها إلا للموتة الأولى خاصة ، وهذا ما ارتضاه جار الله وأراد أن النفي والإثبات لما كان لرد المنكر المصر إلى الصواب كان منزلاً على إنكارهم ، لا سيما والتعريف في الأولى تعريف عهد ، وقوله تعالى : * ( الموتة الأولى ) * تفسير للمبهم وهي على نحو هي العرب تقول كذا فيتطابقان والمعهود الموتة التي تعقبتها الحياة الدنيوية ، ولذلك استشهد بقوله تعالى : * ( وكنتم أمواتاً ) * ( البقرة : 169 ) الخ فليس اعتبار الوصف عدولاً عن الظاهر من غير حاجة كما قال ابن المنير . وقوله في الاعتراض أيضاً : إن الموت السابق على الحياة